الشبكة الآشورية: أحكام معدومة لمحكمة غير شرعية أنشأتها جهات لا اختصاص لها

  
.أصدرت ما يسمى بـ “محكمة الـشعب” التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا يوم السبت 25 تموز 2015 أحكاما قضائية بالسجن على خمسة متهمين من عناصر ميليشيات “وحدات حماية الشعب” الكردية بتهمة التخطيط والتنفيذ لعملية اغتيال القيادي الآشوري في “قوات حرس الخابور” دافيد جندو.
وتراوحت مدة السجن بين عشرين سنة لاثنين من الجناة اعترفا بالتخطيط والتنفيذ لجريمة الاغتيال، وخمس سنوات للثالث وسنة واحدة للرابع في حين حوكم متهم خامس غيابيا.
وفي جلسة محاكمة صورية، حضرها ممثلون عن هيئات حكومة الإدارة الذاتية الكردية، والمجلس العسكري السرياني، ومجلس حرس الخابور وبعض الأهالي، ألقيت فيها كلمات ومداخلات لأطراف سياسية وحزبية، تلا القاضي (وهو شخص غير سوري) الحكم الصادر عن المحكمة.
وكان خمسة عناصر من “قوات حماية الشعب” قد قاموا في الأربعاء 22 نيسان أبريل الماضي، وبعد تخطيط هادئ ومبيت، باقتياد اثنين من قادة “قوات حرس الخابور” بذريعة التوجه الى اجتماع عسكري طارئ، ثم قاموا بتقييدهما وعصب أعينهما، ومصادرة أموالهما وأسلحتهما، وتعذيبهما، وإطلاق النار عليهما من أسلحة رشاشة، ما أدى الى وفاة المغدور الشماس دافيد جندو في الحال، ونجاة زميله الياس ناصر بأعجوبة بعد إصابته بجروح بليغة. ناصر الذي استطاع التعرف على القتلة بحكم علاقته المباشرة معهم، قدم إفادة مكتوبة بخط اليد الى جهات آشورية يثق بها، التقته في المستشفى الذي كان يرقد فيه بالقامشلي عقب الحادث، بسبب عجزه عن الكلام لإصابته في فكه، وصف فيها الواقعة كما حدثت بالتفصيل، وكشف فيها أسماء الفاعلين، مما خلق ردود فعل غاضبة في الشارع السرياني الآشوري، وتسبب في مأزق سياسي وفضيحة كبرى لحزب الاتحاد الديمقراطي، أرغمته على اعتقال المجموعة المنفذة وتقديمها للمحاكمة في محاولة للالتفاف على ما حصل.
إن الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان إذ تؤكد إدانتها الشديدة لهذه المحاكمة فإنها تنوه الى انعدام الأحكام الصادرة عن هذه المحكمة بشكل مطلق وكلي، وذلك على ضوء تسجيل مراقبيها في سوريا لعدد من الملاحظات:
أولا: إن الأحكام الصادرة عن ما يسمى بـ “محكمة الشعب” هي بالتأكيد أحكام معدومة قانونا، لأن المحكمة ذاتها هي هيئة قضائية غير شرعية أنشئت بقرار سياسي لجهة غير ذات اختصاص، أي أنها جهات سياسية لا ولاية لها، ما يجعل أحكامها معدومة تماما من الناحية القانونية.
ثانيا: إن ما يسمى “محكمة الشعب” هي جهة غير مستقلة وغير محايدة، لأن الجهة التي ينتمي إليها المرتكبون (وحدات حماية الشعب)، والجهة التي قامت بالتحقيق وإصدار الحكم (محكمة الشعب) هما مؤسستان تتبعان مباشرة لحزب الاتحاد الديمقراطي، وهو النسخة السورية لحزب العمال الكردستاني. 

ثالثا: إن الأساس القانوني الذي تستند الى مواده هيئة المحكمة للنظر في قضايا المواطنين وإصدار أحكامها على المتهمين غير معلوم. فإذا كانت “الإدارة الذاتية” قد أقرت قانون عقوبات خاص بها فإنه قانون غير علني ولم يطلع عليه أحد. أما إذا كان قانون العقوبات السوري هو المرجع القانوني المعمول به لدى المحكمة المذكورة فإن الأحكام الصادرة في قضية الاغتيال هذه باطلة لأنها تخالف أحكام المواد 533 و 534 و 535 من قانون العقوبات السوري العام، والذي تقضي المادة 535 منه (البند الأول) بإنزال عقوبة الإعدام بمن ارتكب جريمة القتل العمد. والعمد متوفر في جرم اغتيال القادة الآشوريين بسبب تحقق ركني التخطيط والتنفيذ فيه حسب اعترافات المتهمين أنفسهم.
رابعا: إن الاجراءات الجزائية المنصوص عنها في قوانين أصول المحاكمات الجزائية ليست مجرد شكليات و طقوس لا لزوم له، و إنما ضرورات فرضها الفكر القانوني بأثر تراكمي، جمعت على يد فقهاء وعلماء قانون، وذلك لضمان محاكمة عادلة ونزيهة للمتهم وللضحية بذات الوقت، وحماية للمحاكمة من الأهواء السياسية، كي لا تتحول المحاكمات إلى أداة للتسلط أو الاستعراض السياسي. فهل من إجراءات جزائية واضحة اعتمدتها هذه المحكمة؟ الجواب بالطبع لا !

خامسا: إن أسماء المتهمين الواردة في قرار المحكمة هي أسماء وهمية حركية غير حقيقية، ما يثير الريبة خصوصا أن القاضي كان بإمكانه سؤال المتهم عن إسمه مباشرة، وهو الامر الذي لم يحصل، وبالتالي فإن لا تبعات قانونية لحكم صادر بحق شخص ليس لديه الصفة القانونية الإعتبارية، ما يسهل تهرب المتهمين وتنصلهم من الأحكام الصادرة بحقهم.
سادسا: لا يوجد جهة مخولة وموثوقة ومستقلة تتعهد بتنفيذ هذه الأحكام الصادرة عن ما يسمى “محكمة الشعب”، وتنعدم بالتالي آليات استمرار تنفيذ الأحكام لاحقا. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الوضع الميداني في منطقة الجزيرة الذي تسلم بموجبه حزب الاتحاد الديمقراطي إدارة شؤون المنطقة بالتنسيق مع النظام السوري قبل انسحابه الشكلي من المحافظة، فإن هذا الوضع الراهن قد لا يستمر طويلا في ظل التغييرات الميدانية والسياسية التي بدأت تشهدها المنطقة في الآونة الأخيرة، وبالتالي فإن ضمانات تنفيذ هذا الحكم مفقودة كليا.
سابعا: لم تحدد المحكمة هوية المرتكبين في هذه الواقعة بناء على تحقيقات وإجراءات قضائية وإفادات وشهود وحقائق وجمع أدلة جنائية، بل اعتمدت في توجيه التهم على الأسماء الخمسة التي كشفها السيد الياس ناصر الذي كان برفقة المغدور دافيد جندو والذي نجا من محاولة الاغتيال، وعندما تم إحضار المتهمين اعترفوا مباشرة بارتكاب الجريمة.
ثامنا: في عمليات الاغتيال السياسي تقوم مجموعة ميدانية صغيرة بتنفيذ أوامر بالاغتيال صادرة عن قيادات عسكرية أو سياسية أعلى، وبالتالي فإن مجموعة التنفيذ تعلم تماما من هي الجهات العليا التي أصدرت أوامر الاغتيال وهذا ما لم تشر اليه المحكمة نهائيا، كما لم تتح الإطلاع على ما ورد في إفادات المتهمين من معلومات وتفاصيل. وفي لغة القانون فإن المسؤولية التبعية للمرتكب (التابع أو المرؤوس) تمتد حكما لتطال قيادته التي أمرت وخططت (المتبوع أو الرئيس) وهذا ما تعمدت المحكمة التستر عليه بالكامل، لأنها كما سبق الإشارة محكمة غير محايدة وغير مستقلة. ورغم أن قادة حرس الخابور كانوا تلقوا تهديدات مباشرة بالتصفية الجسدية من قبل مسؤولين محليين لـ “قوات حماية الشعب” في بلدة تل تمر معروفين باسمائمها الحركية “لاوند” و “سردار” كما أفادوا لمراقبي الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان في وقت سابق. 

تاسعا: إن استخدام جهات مـسيحية قريبة من حزب الاتحاد الديمقراطي، وتعيين محامي دفاع مسيحي، ومشاركة مسؤولين مسيحيين من حكومة الإدارة الذاتية، وإشراكهم جميعا في سيرك المحاكمة هي محاولات يائسة من قبل “المحكمة” ومن قبل “الإدارة الذاتية” لإسباغ صفات الشرعية على نفسها. ثم أن ظاهرة إلقاء الخطابات والمداخلات في المحكمة تعتبر خرقا قانونيا فاضحا لأصول المحاكمات التي يفترض أن تبقى نزيهة ومحايدة وبعيدة عن أي تأثيرات سياسية.
عاشرا: لا يمكن إخراج عملية اغتيال القيادات الآشورية من السياقات الميدانية للأحداث التي أعقبت هجوم تنظيم داعش الإرهابي على القرى والبلدات الآشورية أواخر شباط الماضي، وما تبعها من عمليات خطف لـ 235 مدني، وتهجير قسري لآلاف العائلات من قراها، وإفراع 34 بلدة آشورية من سكانها، والسيطرة على المناطق الآشورية من قبل ميليشيا “قوات حماية الشعب”، ومصادرة أشخاص محسوبين على الإدارة الذاتية لأملاك وأراضي وعقارات المواطنين السوريين الآشوريين في منطقة الحسكة، ما يجعل منها سلسلة من الإجراءات الممنهجة من أجل تطهير المنطقة من المكون السرياني الآشوري من قبل عدة أطراف تلاقت مصالحها في القضاء على الوجود القومي للشعب السرياني الآشوري في أرضة التاريخية. فعندما يعتقل النظام السوري أبرز القادة السياسيين للسريان الآشوريين، وتقوم داعش بتهجير وخطف عدد كبير من النساء والأطفال والشيوخ، وتقوم ميليشيات الإدارة الذاتية باغتيال القادة الميدانيين الموكلين بمهمة الدفاع عن المناطق الآشورية، والسيطرة على قراهم وبلداتهم في غضون أشهر معدودة يصبح الأمر ليس وليد صدفة برئية أبدا.
وفق هذه الملاحظات العشرة التي أوردناها فإن الشبكة الآشـورية لحقوق الإنسان تجدد اعتبار هذه المحاكمة سيركا هزليا، واعتبار هذه المحكمة جهة غير شرعية، وغير حيادية وغير نزيهة وغير مستقلة، وغير قادرة وغير راغبة في كشف الحقيقة، كل الحقيقة غير مجزأة، وإحقاق العدالة عبر القصاص ليس من المنفذين وحدهم، بل القصاص من المخططين والآمرين أيضا وهو الجزء الأهم. 
لذلك فإن الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان ستطرق جميع أبواب العدالة المتاحة، بالتعاون مع القوى والمؤسسات السريانية الآشورية المعنية، من أجل إحالة ملف اغتيال القادة الآشوريين الى محكمة أخرى خاصة، محلية أو ربما دولية، سنتطرق إلى تفاصيلها في بيان آخر لاحق.
الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان

ســــــتوكهولم – 1 آب 2015

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s