أغنية قيد الصمت .. تقرير عن عمليات الخطف ضد المسيحيين في سوريا

  11130679_811482555610249_1919751537_n 11149029_811482542276917_122993795_n

صديقتي رامينا أم لثلاثة اطفال، وهي كاتبة آشـورية من سوريا، تعرضت للخطف مع عائلتها في 23 شباط الماضي على يد تنظيم الدولة الإسلامية، لقد اعتدنا أن نغني سوية ونعزف الموسيقى سويا أيضا. كانت رامينا تغني للحرية، وتغني للسلام، وقد كتبت أغنية تقول كلماتها: “سأرفع صوتي الى السماء، وأجعل أغنيتي تحلق عاليا، ليسمع العالم كله صوتي ويسمع أغنيتي” …. وأنا أتســاءل هنا : هل سيــســمع العالم صوت رامينا فعلا؟))

هذا الإقتباس مأخوذ من إفادة أحد الفنانين الآشوريين السوريين الناجين من الخطف عقب هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على بلدته.

 أولا : المقدمة

تقع محافظة الحسكة في الشمال الشرقي لسوريا، وهي تجاورها الحدود التركية من جهة الشمال والحدود العراقية من جهة الشرق. وتقسم المحافظة إلى أربع مناطق وأربع عشرة ناحية. ومن اهم مدن المحافظة: الحسكة وهي مركز المحافظة، والقامشلي، واليعربية والشدادي والمالكية وتل حميس وعامودا ورأس العين والقحطانية وتل براك بالإضافة إلى العشرات من القرى المنتشرة خصوصا قرب الموارد المائية لاسيما قرى الخابور الآشورية في ريف الحسكة الشمالي.

تعددت حالات خطف المدنيين في معظم المدن السورية، بالتزامن مع تدهور الوضع الأمني في البلاد الذي أعقب اندلاع الاحتجاجات الشعبية المناهضة للحكومة في آذار العام 2011، ما أدى إلى فقدان السلطات لسيطرتها الأمنية على البلاد، واستشراء مظاهر الفقر والعوز، وبروز مجموعات خطف منظمة من الخارجين على القانون أو المقاتلين أو المتطرفين، استغلت الظروف الصعبة التي يمر بها السوريون لتنفيذ مآربها.

وكان لافتا خلال توثيق حالات الخطف في محافظة الحسكة السورية أن المكون السرياني الآشوري، وهم من المسيحيين، كان من أكثر المكونات المجتمعية التي تعرضت لعمليات الخطف المنظم في مدن الجزيرة لأسباب تتعلق بوضعهم المادي أو انتمائهم القومي والديني أو مركزهم الاجتماعي، من أجل الحصول على المال والسلاح أحيانا، ولدفعهم للهجرة أحيانا، أو لاستخدامهم كصندوق بريد بهدف إيصال رسائل سياسية في حالات أخرى.

وقد رأت شبكتنا ضرورة توثيق هذا النوع من الممارسات نظرا للأثر الكبير الذي تتركه في بنية المجتمع السوري من حيث الإخلال بالتركيبة الديمغرافية للمنطقة، والإضرار بالعلاقة بين المكونات الإثنية والدينية في منطقة الجزيرة التي تتسم بالتعدد القومي والديني، ولأن المجموعات التي تمارسه هي عصابات و مجموعات لها خلفيات مجتمعية ودينية معينة، مما يهدد السلم الأهلي والتعايش في هذه المنطقة.

ثانيا: منهجية التقرير:

يستند هذا التقرير إلى مجمل المعلومات التي قام بجمعها وتوثيقها فريق الباحثين الميدانيين في الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان العامل في سوريا. ويتناول التقرير ممارسات العصابات المنظمة، والمجموعات الدينية المتطرفة، والميليشيات المسلحة، في خطف المدنيين، مبنية على الإفادات والشهادات الحية لبعض ضحايا الخطف الذين تم الإفراج عنهم أو لعائلات مدنيين سوريين لايزالون قيد الخطف، والتي يورد التقرير أجزاء منها بصيغة اقتباسات. كما يوجز التقرير الاستنتاجات والتوصيات التي أفرزها تحليل المعلومات التي تم جمعها. وقد تم حجب جزء من المعلومات ضمانا لسلامة فريق الشبكة الآشورية الميداني، كما تم تغيير جميع أسماء معطي الإفادات من المخطوفين السابقين وعائلاتهم حفاظا على حياتهم وبناء على رغبتهم.

ثالثا: التوصيف القانوني لجريمة الخطف:

1- مفهوم الخطف كما يورده باحثون قانونيون مستقلون: الخطف هو نقل شخص أو مجموعة أشخاص الى وجهة لا يعلمونها، باستخدام العنف أو التهديد أو الغش، واحتجازهم في مكان خارج مكان إقامتهم، أي منزلهم، قسرا ودون رغبتهم، بغية تحقيق مأرب ما. وقد نصت القوانين المحلية والدولية على تجريم الأفعال التي تشكل اعتداء على حرية الإنسان باعتبارها حقا مقدسا أساسيا، وهذا ما تشدد عليه أولى مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. 2- الخطف في القانون السوري: تقضي المادة 555 من قانون العقوبات السوري بالسجن من ستة أشهر الى سنتين لمن حرم آخر حريته الشخصية بأي وسيلة كانت. وتحكم المادة 556 على مجرمي الخطف بالأشغال الشاقة المؤقتة اذا تجاوزت مدة حرمان الحرية الشهر، أو اذا رافق عملية الخطف عنف جسدي أو معنوي، أو إذا وقعت جريمة الخطف ضد موظف أثناء أداء عمله. وقد صدر في سوريا المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 2013 والذي شدد عقوبة الخطف الى الأشغال الشاقة المؤبدة بحق كل من خطف شخصا حارما إياه من حريته بقصد تحقيق مأرب سياسي أو مادي، أو بقصد الثأر والانتقام، أو لأسباب طائفية، أو بقصد طلب فدية. وإذا ما نجم عن الخطف وفاة أحد الأشخاص، أو إحداث عاهة دائمة بالمجني عليه، أو اذا قام الفاعل بالاعتداء جنيسا على المجني عليه، فإن الإعدام هو ما يطلبه القانون لمرتكبي هذه الجريمة.

3- الخطف وفق القانون الدولي: إن ارتكاب عمليات الخطف واحتجاز الرهائن والمعاملة المهينة ضد المدنيين أثناء النزاعات الداخلية المسلحة يرقى لاعتباره جريمة حرب وفق توصيف القانون الدولي الإنساني، خصوصا خرق المادة الثالثة المشتركة من اتفاقات جنيف الأربعة لعام 1949، مع ما يعنيه ذلك من تبعات قانونية ضد المرتكبين، الأمر الذي يدخل في اختصاص المحمكة الجنائية الدولية الموضوعي وفق ما يؤكد عليه البندان 2 و 3 من الفقرة ج من المادة الثامنة من القانون الأساسي للمحكمة.

رابعا: من هم الخاطفون والمخطوفون؟

لم تتمكن الشبكة الآشورية من تسجيل رقم حقيقي لأعداد المخطوفين، بسبب رفض الضحايا وذويهم الحديث عن الموضوع، ويعود ذلك للظروف الدقيقة التي ترافق عمليات الخطف والتكتم الشديد من قبل طرفي العملية بقصد ضمان استمرار المفاوضات وتحقيق أهداف عملية الخطف من جهة، ومن أجل الحفاظ على سلامة المخطوفين أو ذويهم أثناء الخطف وبعد الإفراج من جهة أخرى. إلا أننا نقدر عدد عمليات الخطف ضد المواطنين السوريين من  المكون السرياني الآشوري والتي تمت في محافظة الحسكة فقط (الحسكة، القامشلي، المالدية، القحطانية، رأس العين) بحوالي 120 حالة خطف منذ آذار 2011، وذلك بناء على إحصاءات تقديرية قدمتها لنا قوى ومؤسسات حقوقية وسياسية وأهلية محلية.

ورغم أن تنظيم جبهة النصرة التابع للقاعدة وتنظيم الدولة الإسـلامية (داعش) يقفان وراء عدد لا بأس به من حالات الخطف التي وثقناها، إلا أن عصابات محلية في محافظة الحسكة تصدرت قائمة المرتكبين لعمليات الخطف ضد المسيحيين في المحافظة، خصوصا أن الخاطفين كانوا يتحدثون اللهجة المحلية الحسكاوية في معظم الحالات.

وفي هذا السياق يقول سـمير، وهو أحد المخطوفين الذين أطلق سراحهم مؤخرا: “….. وفي الطريق اعترضنا حاجز لمجموعة من المسلحين، ثم طلبوا منا هوياتنا وأمرونا بالنزول من السيارة، وقاموا بعصب أعيننا ووضعوا السلاسل في أيدينا واقتادونا لجهة لم نعرفها، وكان عددهم ما بين ستة إلى ثمانية اشخاص، كانوا ملثمين ومسلحين ببواريد ومسدسات، وكانوا يتكلمون اللغة العربية بلهجتها المحلية”.

وقد أضحت عملية تحديد الجهات الخاطفة بدقة عملية معقدة بسبب فشل أجهزة الدولة السورية في أداء مهامها بتعقب هذه الجرائم، وبسبب تعدد الجهات التي تمارس عمليات الخطف، حيث تتداخل في بعض حلقاتها عصابات الخطف والمجموعات العسكرية المقاتلة والمجموعات الدينية المتطرفة، وتتعاون معاً من أجل الحصول على المال والسلاح حيث تقوم الجهة الأولى التي قامت بالخطف ببيع المخطوف أو المخطوفين الى جهة ثانية، أو جهة ثالثة في بعض الأحيان، مقابل مبالغ مالية على أن تتولى هذه الأخيرة من جهتها عمليات التفاوض والمساومات من أجل الحصول على مقابل ما لإطلاق المخطوفين.

يقول السيد فريد وهو والد أحد المخطوفين الذين لازالوا قيد الاحتجاز “… وبعد أيام أبلغني أنيس، وهو والد أحد المخطوفين مع ابني، بأنه قام بتسليم المبلغ المطلوب للفدية وقدره سبعة ملايين ليرة سورية إلى أحد أمراء جبهة النصرة، وقد أكد لي أنيس أن هذه المجموعة ليست نفس المجموعة الأولى التي اختطفت ابني وزملاءه والتي كان أنيس يفاوضها عبر الهاتف، وقد أكد أمير الجبهة هذا الشيء أيضا لوالد المخطوف الآخر بقوله له أن مجموعته استلمت المخطوفين من المجموعة السابقة التي كانت قد قامت بخطفهم، وهم الآن بحوزة جبهة النصرة” .

خامسا: أسباب الخطف:

ميزنا خلال بحثنا في توثيق عمليات الخطف بين أربعة أسباب رئيسية تقف وراء هذا النوع من الانتهاك:

1-  أسباب اقتصادية / مالية: وهو السبب الرئيسي الكامن وراء اختطاف عدد من الأطباء والمهندسين والتجار ورجال الأعمال المسيحيين في منطقة الجزيرة. وتقوم بهذا النوع من الممارسات العصابات الخارجة على القانون، والتي يقودها مجرمون، أو محكومون سابقون تم الإفراج عنهم من السجون السورية. وتتميز هذه المجموعات باحترافها ممارسة السرقة والنهب، وتعتمد أسلوب السرعة والاخفاء والحذر، خصوصا أثناء الاتصالات والتفاوض من أجل تحديد المبلغ المطلوب وكيفية الحصول عليه. وتقع هذه الجرائم في المناطق الفقيرة اقتصاديا وأغلب منفذيها هم دون سن الأربعين عاما كما يروي الضحايا الذين التقيناهم. وغالبا ما يبدأ هذا الشكل من العمليات بطلب مبالغ مالية ضخمة من قبل الخاطفين، وينتهي بعد المساومات بدفع مبالغ أقل مقابل إطلاق سراح الضحايا بعد تهديد المخطوفين بالقتل وتعريضهم للتعذيب الشديد في حال امتناع ذوي المخطوف.

يقول ســمير في إفادته:  “…. وهنا اتصل رئيسهم مع أهلي وأبقى الهاتف مفتوحا ليسمعوا أصوات الضرب وأصوات صراخنا، وكان الخاطفون يهددون بقطع رؤوسنا، وبالفعل قام أحدهم بوضع السكين على رقبتي وأحدث جرحا فيها، كما أخذوا يهددون صديقي حنا بالاغتصاب إن لم يتمكن من إقناع عائلاتنا بدفع الفدية…. وبدأت المفاوضات تسير بشكل أسرع حول المبلغ المطلوب، حيث كنت أسمع أصواتهم يتحدثون على الهاتف، بقينا هناك لمدة أسبوع تقريبا، وأخيرا اتفق الخاطفون مع أهلي، كما علمت من أهلي لاحقا، واستقروا على مبلغ ثلاثة ملايين وخمسمائة الف ليرة سورية، إضافة الى مصادرتهم سيارتنا” .

2 – أسباب عسكرية: تقوم بعض المجموعات العسكرية المسلحة بخطف المدنيين بهدف الحصول على المال من أجل تمويل نشاطاتها العسكرية أو الحصول على الذخيرة والسلاح. وفي هذا السياق يشير أبو جورج، وهو مسؤول آشـوري مـسيحي في أحد المجالس العسكرية المحلية في سوريا، وقد سبق له أن عمل وسيطا في إطلاق عدد من المخطوفين المسيحيين وغير المسيحيين لدى المجموعات المسلحة المختلفة المقاتلة في سوريا، يشير في شهادته إلى أن:  ” ….. غالبا ما تبدأ مطالب الخاطفين بتقديم كميات كبيرة من الذخائر لاستخدامها في العمليات القتالية، وفي حال تعذر تحقيق ذلك يعمد الخاطفون الى طلب السلاح بدلا عنها، في حين تطالب بعض المجموعات الأخرى بتقديم  المال لشراء الذخيرة و الأسلحة، وأذكر أنني ساهمت في إطلاق سراح أحد المدنيين المخطوفين لدى إحدى الفصائل المقاتلة مقابل مبلغ مالي يعادل ثمن خمسة قطع من البواريد الروسية الكلاشـينكوف كهدية أو فدية مقابل إطلاق سراح الرهينة المحتجز لديها”

في سياق متصل يؤكد السيد عبد الأحد، وهو رجل مسن تعرض للخطف في مدينة الحسكة، يؤكد هذه الحقيقة بقوله: “… وفي اليوم الثاني طلبوا مني أن أعطيهم أرقام هواتف ابني سامر وابني آشـور لكي يتواصلوا معهم، فسألتهم ماذا تريدون مني؟ فقالوا لي: نحن من الجيش الحر، وأنت انسان مقتدر ولديك الكثير من الأموال، ويلزمنا بعضها من أجل اخواننا الموجودين في صفوف القتال، نحن بحاجة أن نشتري لهم السلاح والدواء”.

وتقوم بعض الجهات الخاطفة باستخدام المدنيين كدروع بشرية لحماية قواعدها أو مقاتليها من الاستهداف والقصف خلال العمليات العسكرية، وهذا ما فعله تنظيم الدولة الإسلامية بعد خطفه أعدادا كبيرة من الآشوريين المسيحيين اثناء اقتحامه لبلدة تل شميرام بتاريخ 23 شباط الماضي محتجرات إياهم في مدرسة البلدة: يقول السيد كبرئيل في شهادته حول ذلك اليوم : “قرابة الساعة الرابعة والنصف فجراً اتصلت بصديقي كميل وهو من سكان قرية تل شميرام وأخبرني ان عناصر الدولة الإسلامية سيطرت على كامل البلدة، وقال لي بالحرف: “الله يستر”. بعد بضعة دقائق رأيت ثلاثة شبان وقد هربوا من قرية تل شميرام باللباس الداخلي فقط وهم سمير وحنا والثالث لا اعرف اسمه، هربوا الى قريتنا القريبة جدا، وأبلغوني أن جميع أهالي البلدة تم خطفهم من قبل عناصر داعش”

3 – أسباب سياسية: تقوم أطراف النزاع في سوريا بخطف شخصيات اعتبارية من المدنيين أو العسكريين من الجهة المقابلة من أجل الضغط الإعلامي بغية تحقيق مطلب سياسي أو غيره. وهذا يفسر تعرض رجال الدين المسيحي لعمليات الخطف بشكل متكرر، كما يشرح تعرض قيام الدولة الإسلامية (داعش) بخطف 235 مدنيا من سكان البلدات الآشورية معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ عقب الهجمات التي شنها التنظيم على سلسلة القرى الآشورية في منطقة الخابور بريف الحسكة.

 وربما يكون من المفيد هنا أيضا التذكير بقضية خطف المطرانين ابراهيم اليازجي ويوحنا ابراهيم المخطوفين منذ 22 نيسان العام 2013، وخطف راهبات دير معلولا في 3 ديـسمبر 2013، والأب باولو دالوليو المخطوف منذ 29 تموز 2013.

يقول أبو  جورج في شهادته: “…. إن جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية هما الأكثر حنكة في التوظيف السياسي لعمليات الخطف، وخصوصا منها خطف شخصيات مسيحية، واستخدام الرهائن المحتجزين لديهم لتحقيق مكاسب سياسية، تماما كما حدث في قضية الراهبات وقضية المطرانين من أجل المقايضة وتبادل الأسرى، ولا تقتصر مطالب هاتين المجموعتين على الساحة السورية فحسب، بل تمتد أحيانا الى المطالبة بإطلاق سراح أمراء الجبهة والدولة في دول عربية وغير عربية أيضا”.

وفي كثير من الحالات يكون الهدف من وراء عمليات الخطف هو ترهيب المسيحيين وإخافتهم لدفعهم الى طلب الحماية من الجهات العسكرية المسيطرة على الأرض باعتبارها – كما تحاول الإدعاء – المصدر الوحيد الذي يقدم الحماية للمسيحيين في مناطقهم وبالتالي يقع على المسيحيين، أو غيرهم من السوريين، واجب الطاعة والمساعدة. وقد يهدف الخطف في بعض جوانبه إلى ترهيب المسيحيين لتهجيرهم من المناطق التي يعيشون فيها، لتحقيق تغييرات ديمغرافية معينة، بغية فرض سيطرة أحد المكونات القومية أو الدينية على المنطقة بالكامل عبر تهجير المكونات الأخرى.

4 –  أسباب دينية وطائفية: مارست جبهة النصرة وتنظيم  الدولية الإسلامية أسلوب الخطف من أجل الترهيب وفرض اسلوب حياة جديد على المناطق التي تسيطر عليها خصوصا على المناطق المسيحية. وهذا ما حدث في قضية خطف الدولة الإسلامية داعش لسبعة آشـوريين بينهم أطباء وموظفين نهاية شهر سبتمبر أيلول 2014، والتي انتهت في 3 كانون الثاني 2015  بـ “قرار أميري” يقضي بإطلاق سراحهم جميعا مقابل دفع جزية مالية قدرت بحوالي 1700 دولار للشخص الواحد، وتعميم الجزية على سكان جميع القرى والبلدات الآشـورية الواقعة في منطقة ريف الحسكة الشمالي والشرقي تقدر بحوالي عشرة غرامات من الذهب لكل عائلة سنويا، وفق تقارير ميدانية لمندوبي الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان في منطقة الخابور.

كما وثق فريق العمل الميداني للشبكة الآشورية في سوريا قيام تنظيم الدولة بتاريخ 23 شباط 2015  بخطف 235 مدينا من أهالي القرى الآشورية في منطقة الخابور بينهم 86 امرأة ، و 39 طفلا و 87 رجلا معظمهم من المسنين عقب هجوم واسع شنه التنظيم بسبب رفض أهالي 34 بلدة أشورية إزالة الصلبان عن كنائسهم. (لاحقا أطلق التنظيم سراح 23 شخصا منهم بعد دفع الجزية ليصبح عدد المخطوفين 212)

وكانت أعداد المخطوفين في هذا الاعتداء على الشكل التالي:

بلدة تل شاميرام بلدة تل جزيرة بلدة تل هرمز بلدة تل فيضة بلدة قبر شامية
36 امرأة 43 امرأة 3 نساء 5 نساء         –
30 طفلا 9 أطفال
45 رجلا 32 رجلا 6 رجال 3 رجال 2 رجلين
المجموع  111 المجموع 84 المجموع 9 المجموع 8 المجموع 2
المفرج عنهم من بلدة تل غوران: 21 مدنيا بينهم سيدتان وطفلة

المفرج عنهم من بلدة تل شاميرام: 2 بينهم امرأة

المجموع العام 235 مدنيا

 

تقول السيدة أم فادي في إفادتها لفريقنا العامل في سوريا: “صباح يوم الأثنين 23 شباط وعند قرابة الساعة الرابعة صباحاً سمعنا أصوات القذائف تنهال على قرية تل مساس، اعتقدنا في البداية أنها ستهدأ بعد قليل لكن ما لبثت أن تزايدات أصوات القصف أكثر، وبعد حوالي ساعة شاهدت عددا من أهالي قرية تل كوران الواقعة على الضفة المقابلة لقريتنا على نهر الخابور، شاهدتهم وقد عبروا النهر بقارب صغير، وقالوا لي ولعائلتي: أهربوا حالا فإن قوات داعش تجتاح قرى الخابور وتخطف وتقتل الأهالي. قرابة الساعة العاشرة صباحاً من ذات اليوم الاثنين غادرنا البلدة بواسطة سيارة أجرة كانت متواجدة في القرية”

وغالبا ما تكون الهوية الدينية للمخطوف أحد العوامل التي تحدد مصيره في الكثير من حالات الخطف، فإما أن يبادل مع معتقلين لهذه المجموعة لدى النظام السوري أو لدى المجموعات المقاتلة الأخرى، وهذا ما حدث تماما في قضية الراهبات التي نفذتها جبهة النصرة حيث أرغمت النظام على الإفراج عن 152 من السيدات المعتقلات لدى النظام السوري، أو أن يقتل كما حدث في قضية خطف الأب فادي حداد والتي كانت نهايتها مأساوية حيث انتهت بمقتله على يد خاطفيه، أو أن يرغم المخطوف على تغيير دينه كما حدث مع أحد الجنود المسيحيين المنشقين عن الجيش الـسوري والذي أرغمه خاطفوه في جبهة النصرة على اعتناق الإسلام.

يقول الجندي المنشق في شهادته:  “…. حينها أبلغوني أنهم قرروا مداواة جروحي التي أصبت بها والإفراج عني، إلا أنهم وضعوا شرطا واحدا لتحقيق كل هذا الشيء، وقال لي الأمير “بس نحن عنا شرط واحد مشان نتركك وما نقتلك”، ودون أن أسأله عن الشرط أو أجيب أو أعلق  تابع ليقول: “أنت نصراني ونحن من واجبنا كمسلمين أن ندعوك للاسلام”. وتابع كلامه “لذلك بدنا منك تعتنق دين الإسلام”، وأضاف أنه يجب علي أن أعلن ذلك في مقطع مصور لكي يتم تحميله على موقع الكتيبة على اليوتيوب لكي يراه الناس وإلا سيكون مصيري القتل”.

خامسا: ظروف الخطف:

في جميع الحالات التي وثقناها، ترافقت عمليات الخطف مع استخدام العنف ضد الضحايا. فقد تعرض المخطوفون للعنف الجسدي، والعنف اللفظي، والتهديد بالقتل، والتهديد بالاغتصاب، والمعاملة القاسية والمهينة والتجويع. وتم احتجاز هؤلاء المخطوفين في غرف مظلمة او غرف ومقار غير صحية في ظروف قاسية.

يقول عبد الأحد في إفادته: ” …. وبقيت محتجزا في غرفة صغيرة جدا مبنية من الطين في الفترة الأولى التي امتدت خمسة عشر يوما، كانت هذه الغرفة سجنا ومكانا للأكل وللنوم وقضاء الحاجة، لم أكن أتلق حينها إلا كسرة خبر صغيرة وكأس من الشاي مرة واحدة في اليوم، بالاضافة طبعا الى الضرب الشديد الذي كنت اتلقاه كل يوم أو كل يومين”.

كما تم الضغط على ذوي المخطوفين وعائلاتهم من أجل إرغامهم على الرضوخ لمطالب الخاطفين، وكانت النتائج كارثية على بعض العائلات التي خطف أبناؤها. وربما كانت أم جميل التي توفيت فجأة إثر جلطة قلبية أصابتها حزنا على ولدها المخطوف أبرز هذه الحالات. يقول السيد أبو جميل والد المخطوف في شهادته لفريقنا العامل في سـوريا: “… وفي هذه الفترة أصيبت عائلتنا بنكبة أكبر حيث توفيت زوجتي بتاريخ 11/7/2014 إثر نوبة قلبية، أي بعد أحد عشر يوما من تعرض ولدنا للخطف، كانت زوجتي حزينة جدا وقلقة جدا طوال هذه الفترة، المؤلم في الموضوع أن إبني لا يعلم بوفاة والدته حتى هذه الساعة”.

سادسا: الاستنتاجات:

1- تصاعدت وتيرة أعمال الخطف عقب فقدان السلطات الحكومية سيطرتها الأمنية في معظم المدن السورية، وبسبب تردي الاوضاع المعيشية خصوصا في المناطق الريفية، وتفاقم النزاع العسكري وتحوله الى صراع داخلي مسلح، ما يجعل عمليات الخطف التي ترتكب ضد المدنيين الـسوريين ترقى لاعتبارها جرائم حرب وفق توصيف القانون الدولي الإنساني.

2- معظم حالات الخطف ضد المسيحيين كانت بدوافع مالية اقتصادية، لكن لا يمكن إغفال البعدين الديني والسياسي للقضية خصوصا فيما يتعلق بترهيب المسيحيين ودفعهم للهجرة لتثبيت حقائق ديمغرافية جديدة في مناطقهم من جهة، أو لإرغامهم على دفع الجزية، أو طلب الحماية من أطراف النزاع سواء النظام السوري أو المجموعات العسكرية المقاتلة من جهة أخرى.

3 – معظم العائلات التي تعرض أفرادها للخطف غادرت سوريا بشكل شبه نهائي، كما ولدت عمليات الخطف الأخيرة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية شعورا بأن الآشوريين المسيحيين باتوا معرضين للخطر ودون حماية، ولم يشفع لهم حيادهم في الصراع الدموي الدائر في البلاد، مما يهدد بموجة نزوح جماعية للمسيحيين في حال استمرار هذه الظاهرة وتفاقمها وفي حال عدم اتخاذ اجراءات فورية لوقفها.

4- جرت معظم عمليات إطلاق سراح المخطوفين بعد تدخل شخصيات عشائرية ودينية ومؤسسات مدنية وأهلية وقوى سياسية وحزبية في ظل غياب تام لأي دور لمؤسسات الحكومة السورية.

5- انتهت العديد من عمليات الخطف ضد المواطنين السوريين المسيحيين بدفع فدية مالية للمجموعات الخاطفة،إلا أن عددا غير قليل من عصابات الخطف لاتزال تحتفظ بمخطوفيها أملا في الحصول على مبالغ مالية كبيرة من قبل الجهات التي تتدخل لاسترجاع المخطوفين.

6- لقد دفعت أعمال الخطف المنظمة ضد المسيحيين في سوريا الى تهجير أعداد كبيرة من الأطباء والمحامين والمهندسين والموظفين ورجال الأعمال من أبناء المكون السرياني الآشوري، في ظاهرة خطيرة أفضت الى نزيف عقول حاد من المنطقة.

7- استخدام المخطوفين المسيحيين كصندوق بريد سياسي هي ظاهرة تعتمدها جميع أطراف النزاع في سوريا من أجل لفت الانتباه الإعلامي المحلي والدولي الى مطالب الخاطفين السياسية وهذا ما تجلى بوضوح في قضيتي خطف الراهبات في دير معلولا، وخطف المطرانين يازجي وإبراهيم في ريف حلب، وهو ما يحدث الآن في قضية خطف الرهائن الآشوريين لدى تنظيم الدولة الإسلامية.

سابعا: التوصيات:

الى الحكومة السورية:

1- إن السلطات الحكومية السورية، تماما كما المجموعات المقاتلة والعصابات الإجرامية والتنظيمات الدينية المتشددة والمنظمات الإرهابية، المشاركة جميعا في الصراع العسكري المسلح الدائر على الأراضي السورية، تتحمل المسؤولية القانونية الكاملة في وقوع جرائم الخطف وفق القانون الدولي النافذ أثناء النزاعات المسلحة الداخلية.

2 – دعوة الحكومة السورية الى تحمل المسؤولية في حماية المواطنين وفرض الأمن واستعادة النظام في المناطق التي تقع تحت سيطرتها، ووضع حد لعمليات الخطف التي تستهدف المدنيين الأبرياء.

3- تشجيع الخاطفين على إطلاق سراح رهائنهم عبر إصدار مراسيم عفو مشروطة بسلامة الضحايا وإطلاقهم فورا.

4- التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الأهلية والشخصيات الدينية المسيحية والإسلامية التي أبلت حسنا في اطلاق سراح العديد من المخطوفين بسلام، وأصبح لديها خبرة جيدة، وأضحت وسيطا مقبولا لدى العديد من الأطراف.

5- دعم عائلات المخطوفين وتقديم المساعدة القانونية لها وتعويضها ماديا ومعنويا، ومساعدتها على إنهاء مأساة أبنائها وتثبيتها في وطنها وإعادة العائلات التي كانت نزحت بسبب مخاوف التعرض للخطف، إعادتها الى مناطقها وتثبيت استقرارها فيها.

إلى المجموعات المسلحة المقاتلة:

1- إطلاق سراح جميع المخطوفين من المدنيين السوريين الذين لاعلاقة لهم بأي شكل من الأشكال بمجريات الصراع العسكري الحاصل على الأراضي السورية، ونخص منهم 212 مدنيا من المسيحيين الآشوريين لايزالون في قبضة تنظيم الدولة الإسلامية منذ 23 فبراير 2015.

2- إبقاء المدنيين خارج دائرة الصراع الدائر في البلاد مع التذكير بالالتزامات القانونية التي يفرضها القانون الدولي الإنساني على كل المجموعات المنخرطة في القتال أثناء النزاعات الداخلية المسلحة.

3- الابتعاد عن المدنيين والكف عن ارتكاب المزيد من جرائم الخطف التي يعاقب عليها القانون.

4- المساعدة في كشف مصير بعض المخطوفين الذين مضى على فقدانهم أكثر من عامين ويأتي في مقدمتهم المطرانين يوحنا ابراهيم وبولس يازجي والآب باولو دالوليو وغيرهم.

الى مجلس حقوق الإنسان:

1- دعوة لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا الى فتح تحقيقات موسعة في قضية الخطف التي تتعرض لها الأقليات الدينية والعرقية في سوريا واقتراح الحلول لوقف هذه الظاهرة.

2- إحالة قضايا الخطف في سوريا الى محكمة الجنايات الدولية كون الجرائم المرتكبة خلال الصراع الداخي المسلح في سوريا الآن ترقى لاعتبارها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب تدحل ضمن الاختصاص الموضوعي للمحكمة.

3- دعوة مجلس الأمن الدولي الى تحمل مسؤولياته في الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين لما يخلفه الصراع المتفاقم في سوريا من زعزعة الاستقرار والسلم في المنطقة والعالم.

أغنية قيد الصمت

تقرير الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان

أصدر بالتزامن مع انعقاد الجلسة الثامنة والعشرين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف

ستوكهولم – 17  آذار  2015

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s