تقرير الشبكة الآشورية عن المعتقلين الآشوريين السريان في سوريا

أشـــوريون من أجل الوجود والحرية

تقرير الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان

 

أولا: المقدمة: تشكل الأنظمة الاستبدادية والمجموعات الإسلامية المتشددة أبرز مصادر التهديد لوجود الأقليات الإثنية والدينية والفكرية في منطقة الشرق الأوسط. ويتفق هذان العنصران في نظرتهما إلى هذه الأقليات باعتبارها التحدي الأكبر الذي من شأنه أن يقوض أركان الاستبداد والتشدد على حد سواء، لأن مفهوم التعددية والحرية، الذي غالبا ما يرتبط بوجود الأقليات الإثنية والفكرية، يناقض بنية الديكتاتوريات والتشدد القائمة على مبدأي الأحادية والتسلط. لذلك يعمل هذان العنصران بشكل ممنهج، وربما منسق، على إضعاف حضور هذه الأقليات والحد من حريتها وتأثيرها ما أمكن، لإسكاتها وإخضاعها وتغييبها عن المشهد السياسي والوطني عبر استخدام وسائل العنف والترهيب ضدها.

ففي الوقت الذي نكلت فيه جماعة الدولة الإسلامية “داعش” بمسيحيي العراق، ارتكب هذا التنظيم، بالتعاون مع حلفائه من المجموعات المتشددة في سوريا كجبهة النصرة وغيرها، ارتكب أفظع الممارسات بحق المكونات الإثنية والفكرية خصوصا ضد النشطاء الليبراليين والعلمانيين والمدنيين، فاختطفت واعتقلت وقتلت العديد منهم، تماما كما دأب النظام السوري أن يفعل منذ آذار العام 2011 – حسبما وثقت المنظمات الحقوقية السورية، وأكدته لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا في تقاريرها في هذا السياق – مانعين بذلك نشوء تيار ثالث ينحاز اليه الناس لكي يبقى الخيار الوحيد المتاح أمامهم هو: إما الأسد أو داعش.

في سياق متصل فقد كانت ردود فعل النظام السوري على بعض المسيحيين الذين انخرطوا في صفوف الحراك الشعبي المطالب بإنهاء حكم الأسد وإحداث التغيير الديمقراطي في البلاد قاسية جدا، رغم أن نسبة لا يستهان بها من الآشوريين السريان والمسيحيين عموما في سوريا وقفت ولازالت تقف الى جانب النظام. فقد تعرض هؤلاء للقتل والاعتقال والتعذيب الشديد على أيدي الاجهزة الأمنية الحكومية، وتعرضت بعض القرى والبلدات المسيحية للقصف من قبل الجيش السوري النظامي، في صورة تكشف بنية النظام في سوريا، القائم على التنكيل بأي صوت معارض، الى أي جهة أو دين أو قومية انتمى.

فقد رصدت الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان اثنتان وثلاثون حالة اعتقال ضد المواطنين السوريين من أبناء المكون السرياني الآشوري منذ آذار العام 2011. وقد رأينا أن نسلط الضوء على هذه الانتهاكات بالتحديد، رغم قلة عددها نسبيا مقارنة مع حجم الانتهاكات المرتكبة ضد عموم السوريين، لثلاثة أسباب رئيسية:

أولا: لأن تأثير هذه الانتهاكات على المكونات الإثنية الصغيرة (كالسريان الآشوريين) كبير جدا بحيث يؤدي الى إمكانية ضرب وجودها التاريخي في أوطانها من أساسه، وذلك بسبب حالة الرعب التي تسود أفراد هذه المجموعات جراء الانكشاف الأمني والسياسي والاجتماعي الذي يطالها في ظروف الأزمات والتغييرات الكبرى.

ثانيا: لأن كشف هذه الانتهاكات وتعرية مرتكبيها يساهم في الحد من انتشارها وتكرارها، خصوصا فيما يتعلق بالممارسات غير الإنسانية التي يتعرض لها المعتقلون السوريون في سجون السلطات السورية عبر تحميل هذه السلطات المسؤولية القانونية الكاملة عن مصير المعتقلين المحتجزين في المراكز الخاضعة لسيطرتها.

 

ثالثا: لم تلق الشرائح الصغيرة من مكونات الشعب السوري اهتماما كافيا من قبل المنظمات الحقوقية وبالتالي فإن هذا التقرير يعتبر الاول من نوعه الذي يتخصص بالمعتقلين السريان الآشوريين في سوريا.

 

 

 

 

 

ثانيا: منهجية التقرير: يستند هذا التقرير إلى مجمل المعلومات التي قام بجمعها وتوثيقها فريق الباحثين الميدانيين في الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان العامل في سوريا. ويتناول التقرير بالتحليل أنماطا مختلفة من الانتهاكات التي ترتكبها السلطات الحكومية السورية، والميليشيات المسلحة التابعة لها ضد المعتقلين لديها، مبنية على الإفادات والشهادات الحية لبعض ضحايا الاعتقال المفرج عنهم، والتي يورد التقرير أجزاء منها بصيغة اقتباسات. كما يوجز التقرير الاستنتاجات والتوصيات التي أفرزها تحليل المعلومات التي تم جمعها منذ أكثر من ثلاثة أعوام. وقد تم حجب جزء من المعلومات ضمانا لسلامة فريق الشبكة الآشورية، كما تم تغيير جميع أسماء معطي الإفادات من المعتقلين السابقين حفاظا على حياتهم وبناء على رغبتهم.

ثالثا: أنماط الانتهاكات:  شارك السريان الآشوريون في الحراك الشعبي منذ انطلاقه في آذار العام 2011 كغيرهم من السوريين، من خلال أحزابهم السياسية ومؤسساتهم الشبابية والمدنية والنسائية. وقد قوبل هذا الحراك السلمي بالعنف المفرط من قبل السلطات السورية. فقد وثقت الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان اثنتان وثلاثون حالة اعتقال ضد السريان الآشوريين، تم الإفراج عن معظمهم، في حين لازال أربعة آخرون قيد الاعتقال حتى تاريخ إصدار هذا التقرير. وقد ارتكبت جميع حالات الاعتقال هذه من قبل السلطات الحكومية السورية وأجهزتها الأمنية والميليشيات التابعة لها، ووقعت في مدن الحسكة والقامشلي وحلب ودمشق. وطالت هذه الاعتقالات سياسيين وناشطين وقادة رأي في قوى الحراك السياسي والمدني، جميعهم من النخبة المثقفة. وقد ارتكبت أجهزة الأمن الرسمية السورية في معرض اعتقالها لناشطين سريان آشوريين في سوريا أنماطا مختلفة من الانتهاكات، شملت الاعتقال التعسفي، التعذيب الشديد، التجويع، التهديد بالاعتداء الجنسي والمعاملة المهينة وغيرها. وقد بدت هذه الأنماط جلية وواضحة من خلال تحليل ودراسة إفادات المعتقلين أنفسهم. ويمكن تصنيف هذه الانماط كما يلي:

 

1 – الاعتقال التعسفي: يتنافى الاعتقال التعسفي بوضوح مع مضمون المادة التاسعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما يخالف أحكام المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية اللتان تحظران الاعتقال دون إجراء قانوني، والتي صادقت عليهما الجمهورية العربية السورية. كما تخالف أحكام الفقرتين الأولى والثالثة من المادة 53 من الدستور السوري، واللتين تشددان على منع اعتقال المواطنين إلا بأمر قضائي، والمادة 54 من الدستور ذاته والتي تتحدث عن تجريم الاعتداء على الحرية الشخصية. والأمثلة التالية تعكس بوضوح انتهاك هذه البنود: في يوم الجمعة الموافق 20/5/2011، ودون إبراز مذكرة اعتقال قضائية، اقتحمت قوات مشتركة من الأمن السياسي والأمن الجنائي مقر المنظمة الآثورية الديمقراطية في مدينة القامشلي، وهي حزب سياسي سوري معارض غير مرخص، من مؤسسي إعلان دمشق والمجلس الوطني السوري. واعتقلت قوات الأمن بشكل جماعي كل من تواجد في مكاتب المنظمة المذكورة، حيث بلغ عدد هؤلاء المعتقلين ثلاثة عشر قياديا وناشطا، معظمهم أطباء ومحامين ومهندسين ومعلمين وطلاب جامعيين، من الناشطين الفاعلين في قوى الحراك المدني السلمي. وكان الاعتقال قد وقع عقب مشاركة بعض أعضاء هذه المنظمة في مظاهرة سلمية بمدينة القامشلي قبل ظهر ذلك اليوم. وبتاريح الأثنين 11/2/2013 داهمت دورية تابعة لأمن الدولة في فرع القامشلي مكتب إحدى الجمعيات الإغاثية التابعة لحزب الاتحاد السرياني في مدينة القامشلي، وهي جمعية إنسانية تقوم بتوزيع المساعدات العينية على سكان المنطقة، واعتقلت اثنين من أعضاء هذه الجمعية لتفرج عنهم في اليوم التالي. وفي يوم الثلاثاء 19/ 11/2013 داهمت دورية مدعومة بعناصر مسلحة وبأربع سيارات تابعة لجيش الدفاع الوطني، أو جماعة “الملثمين” كما تسمى محليا، ودون أي مذكرة اعتقال قضائية، داهمت مقر المنظمة الآثورية الديمقراطية في مدينة الحسكة، وهو عبارة عن منزل يستخدم لاجتماعات أعضاء المنظمة المذكورة، وقامت باعتقال الموجودين في المنزل واقتيادهم الى مقر جيش الدفاع الوطني، وهي ميليشيات مسلحة تابعة للحكومة، تنتشر في معظم المحافظات، وتتخذ هذه المجموعة من مبنى حزب البعث العربي الاشتراكي بمدينة الحسكة مقرا لها. يقول السيد (ج ت) في معرض وصفه لعملية اقتحام مكتبه من قبل الأجهزة الأمنية: “….فوجئنا بصوت طرق عنيف على الباب الخارجي للمقر، وعندما قام زميلي الذي كان متواجدا معي ليفتح الباب، أدركت أن الطارق قام بخلع الباب بالرفس، ثم دخل علينا تسعة رجال مسلحين بالرشاشات والمسدسات، وعندما استفسرت منهم عن هويتهم وماذا يريدون كان جوابهم ضربي بأخمص البندقية على ظهري، فسقطت أرضا، وطلب مني أن أنهض وأرفع يداي وأن أدير وجهي الى جهة الحائط، في هذه الأثناء سمعت صوت الضرب والركل من خلال الباب المفتوح، فعلمت أنهم يسحلون رفيقي على الأرض وهم يضربونه ويشتمونه، وقام آخرون في هذه الأثناء بتفتيش المكتب وأخذ كافة محتوياته من أجهزة كمبيوتر وكتب وتلفزيون ومولد كهرباء، وحتى المطبخ لم يسلم منهم اذ قاموا بسرقته وتكسير كل ما وقعت عليه أيديهم”.

 

 

2 – التعذيب والمعاملة القاسية كوسيلة لانتزاع الاعترافات: ساعدت شهادات المعتقلين الذين تم الإفراج عنهم في كشف النقاب عن قيام المحققين والضباط وعناصر الأمن التابعين للحكومة السورية باستخدام وسائل عديدة من أشكال التعذيب والمعاملة القاسية داخل مراكز الاعتقال الحكومية بهدف انتزاع الاعترافات من المعتقلين. و تتلخص هذه الأساليب بمايلي:

ا – العنف الجسدي: اعتمد المحققون الضرب المبرح وسيلة لانتزاع الاعترافات من المعتقلين أثناء التحقيق. ولهذا الغرض استخدم المحققون، كما ورد في إفادات المعتقلين السابقين، أسلوب السحل، والصفع واللكم بالأيدي، والرفس بالأرجل، والجلد بالكابلات الرباعية، واستخدام الدولاب، والفلقة، وجهاز “بساط الريح”. كما تم تعذيب بعض المعتقلين باستخدام الصعق بالكهرباء في مناطق مختلفة من الجسم من أجل انتزاع الاعترافات. لم يسلم من هذه الممارسات حتى كبار السن ولا اؤلئك المعتقلين المرضى. يقول (ج ت) في معرض وصفه التعذيب على بساط الريح: “….هو عبارة عن قطعتين من الخشب متصلتين مع بعضهما بمفاصل، وقام بربطي عليها وأنا مستلق على صدري، ثم قام بثني القطعة الخشبية التي ربطت فيها قدمي للأعلى، وفي الجهة الأخرى قام برفع القطعة الخشبية الأخرى التي ثبتوا عليها جسمي الى الأعلى أيضا، وربطوهما ببعض، وبالتالي بدا الجسم وكأنه أخذ شكلا مقعرا، وشعرت بأن منتصف أسفل ظهري سوف يتقطع من شدة الألم …. وبدأ العنصر بضربي بالكبل الرباعي على قدمي وظهري وكامل جسمي، إلى ان أغمي علي ولم أشعر بما يدور حولي على الإطلاق بعد أن فقدت وعيي.” في حين يصف (د أ) تعرضه للتعذيب بالدولاب كالآتي: “…ثم قام أحد العناصر بإدخالي داخل دولاب سيارة مطاطي فارغ، بحيث اصبح ظهري معقوفا، ورأسي الى الأسفل وقدماي الى الأعلى. ثم ربطوا قدماي ببعضهما، بينما تولى أحد العناصر الضرب على قدماي وما ظهر من أجزاء جسمي بعصا غليظة وبكرباج وهو يصرخ: يا خونة يا كلاب يا عملاء.” وعن الصعق بالتيار الكهربائي يقول (س ي) في إفادته: “…قاموا بخلع حذائي و جواربي، وشعرت بقطعة حديد تقبض على أصابع قدمي، علمت بعد قليل أنها كماشتان صغيرتان أمسكتا بأصابعي، ثم ما هي الا لحظات حتى تشنج جسمي و تقلصت أطرافي من شدة الألم، لقد بدأوا بتعذيبي بالتيار الكهربائي، حيث قامو بصعقي 4 مرات. لم استطع حينها الحركة، وبدوت فاقد الوعي تماما وشبه مشلول، فقام اثنان من العناصر بسحبي وسحلي على الارض، ورموني في غرفة أخرى مكبلا ومعصوب العينين”

 

ب – التعذيب النفسي: يؤكد معظم المعتقلين السابقين الذين قدموا لنا إفاداتهم أن التحقيقات كانت تجري معهم في ساعات الفجر الأولى، وتراوحت الضغوطات النفسية لانتزاع الاعترافات من المعتقلين خلال هذه التحقيقات بين التهديد باعتقال زوجاتهم أو بناتهم، كما روى (ج ت) في شهادته، الى إرغام المعتقلين على حضور مشاهد التعذيب حتى الموت بحق معتقلين آخرين كما يروى السيد (ي د): “…كنت أرى بعض حالات التعذيب بعيني، وكنت أسمع أصوات المعذبين في أحيان أخرى، كون الزنازين والمهاجع قريبة من غرف التحقيق. كما كنا نرى آثار التعذيب على أجسادهم أو الدماء التي تسيل منها، حيث تم إحالة بعضهم إلى المشفى الوطني نتيجة الضرب المبرح. توفي شخص من المعتقلين معنا نتيجة المرض والتعذيب كان عمره قرابة الخامسة والثلاثين، حيث أن جسمه كان نحيلاً جداً، ولم يقوموا بعلاجه، وعند وفاته جاء أحدهم وأمر بعضنا بحمله قائلا: شيلو هالمفطوس، ورموه في الثلج خارج البناء”.

ج – التهديد بالقتل والمعاملة الحاطة بالكرامة:  تعرض المعتقلون السريان الأشوريون في مراكز الاعتقال التابعة للحكومة، تماما كغيرهم من المعتقلين السوريين، الى شتى أنواع الإهانات اللفظية من قبل المحققين والسجانين كالتخوين بسبب التظاهر ضد النظام، والتهديد بالقتل، والشتم بأفظع العبارات. ناهيك عن الضرب وسوء المعاملة أثناء مداهمة المنازل والمكاتب بهدف الاعتقال. كما قامت عناصر الأجهزة الأمنية في بعض الحالات بإرغام المعتقلين على تقبيل أحذية المحققين، والتوجه من وإلى دورات المياه زحفا، وغيرها من صنوف المعاملة الحاطة من الكرامة الإنسانية.  المعتقل (س ي)  يروي محاولات تهديده بالقتل من قبل المحققين بقوله : “وبعد عدة خطوات طلب مني ان اجثو على ركبتي قبالة الجدار كي أشعر بفوهة سبطانة البندقية التي وضعها على رقبتي من الخلف. شعرت بقلق وخوف كبيرين، لكنه وبكل برودة أعصاب قال لي “ما رأيك لو أني أضغط على الزناد وأقتلك وأدعي بأنك حاولت الفرار؟ سأحصل على مكافأة لقتل واحد من امثالك من المعارضين”. إن التعذيب والمعاملة القاسية والحاطة بالكرامة الإنسانية بهدف انتزاع الاعترافات من المعتقلين يشكل مخالفة واضحة لأحكام المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية اللتان تحرمان ممارسة التعذيب لأي سبب كان. كما تخالف هذه الممارسات معظم مواد اتفاقية مناهضة التعذيب الصادرة عام 1984 خصوصا المواد 1 و 16 منها والتي تمنع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو المهينة أوالحاطة بالكرامة الإنسانية، والمادة 15 التي تؤكد بطلان أي اعترافات أو شهادة تم انتزاعها تحت التعذيب. وهو يتعارض في ذات الوقت مع الفقرة الثانية من المادة 53 من الدستور السوري التي تمنع التعذيب وتحظر ممارسة أي فعل من شأنه إهانة المعتقل.

3- التهديد بالاعتداء الجنسي: عمد المحققون والسجانون الى تجريد بعض المعتقلين من ملابسهم بشكل كامل، ولفترات طويلة نسبيا، بغية إذلالهم أو ترهيبهم. مورست هذه الأساليب مع المعتقلين وهم معصوبو العينين أو غير معصوبي العينين. وقد استخدمت قوات الأمن السورية هذا الأسلوب في حالات محددة بذريعة التفتيش، من أجل الايحاء بإمكانية الاعتداء على المعتقلين جنسيا، في محاولة لإخافتهم وإرغامهم على الإدلاء باعترافات لم يرتكبوها. وفي هذا السياق تحدث (د أ) في إفادته عن قيام عناصر الأمن بتجريده من ثيابه بالكامل، كما شاهد بعينه تعرض زملائه في السجن أيضا للتعرية القسرية من قبل العناصر الأمنية. في حادثة مشابهة، لكن في مركز اعتقال مختلف، يصف (س ي) مشاعره في تلك اللحظات، عندما شعر فيها أن احتمال الاعتداء عليه أصبح وشيكا بعد تعريته من قبل العناصر الأمنية بقوله: “…انتابتني موجة من الرعب الشديد في هذه اللحظات لأني توقعت أنهم يفكرون بالاعتداء علي، لهذا هم يطلبون مني خلع كامل ملابسي، وقررت في تلك اللحظة أنني لن أسمح بحصول ذلك مهما كان الثمن، في هذه اللحظات الصعبة طلبت من الله في سري ان أموت سريعا اذا ما حصل ذلك”. مجددا، فإن هذه الممارسات تخالف مضمون المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية اللتان تحرمان ممارسة كافة أشكال التعذيب. كما تخالف مواد اتفاقية مناهضة التعذيب خصوصا المواد 1 و 15 و 16 والتي تمنع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو المهينة أو الحاطة بالكرامة الإنسانية. كما تشكل خرقا للمواد 2 و 4 و 10 من الاتفاقية ذاتها والتي تطالب الدول الأطراف بسن تشريعات يصار بموجبها الى تجريم هذه الممارسات ومعاقبة مرتكبيها. وهي تخالف مضمون الفقرة 2 من المادة 53 من الدستور السوري التي تمنع التعذيب وتحظر ممارسة الأفعال التي من شأنها إهانة المعتقل.

 

4 – استخدام البعد الطائفي: كان لافتا في معظم حالات اعتقال الناشطين السريان الآشوريين، وفقاً لإفاداتهم التي سجلها فريقنا في سوريا، استخدام السلطات السورية للبعدين الديني والطائفي في عمليات التحقيق، واعتبار ديانة الشخص المعتقل سببا إضافيا لتعرضه للمعاملة القاسية والمهينة. حيث أظهر المحققون استغرابهم الشديد من مشاركة المسيحيين في مظاهرات تطالب بالحرية، واستنكروا خروجهم في مظاهرات تنطلق من أمام جامع، ويقودها رعاع وإسلاميون ومسلحون وانفصاليون على حد قولهم، ملوحين على الدوام بورقة الخطر الإسلامي على المسيحيين كما يروي المعتقلون. وردد المحققون والسجانون عبارات مثل: إن المسيحيين مدينون لهذا النظام الذي يحمي الأقليات، وأن المسيحي الذي يخرج في مظاهرة ضد النظام هو خائن، وأن النظام يغض الطرف عن بعض المعارضين المسيحيين لأنه يريد أن يحميهم. وهذا ما يؤكده (ر ك) في إفادته بقوله: “كانوا يهددونني بأنه اذا رحل هذا النظام فان العرب المسلمين سيأكلونكم ويستبيحون نساءكم وسيهجرونكم خارج البلاد” في حين يصف (س ي) ردة فعل المحقق على جوابه حول مشاركته في مظاهرات تطالب بالحرية: “…غضب غضبا شديدا، واتهمنا بأننا إرهابيون وخونة ويجب على كل المسيحيين والسريان الاشوريين التبرء منا كوننا عملاء لاسرائيل، وقال لي: يجب أن لا تنسوا فضل حافظ الاسد وبشار الاسد نحو الأقليات، فهما من حماكم وإن زال هذا النظام فسوف تسحقون وتقتلون في الشوارع”. إن هذا النوع من الممارسات ضد المعتقلين المسيحيين يعتبر تمييزا ضد إحدى فئات المجتمع السوري بسبب دينها ومعتقدها، وهو بذلك يخالف الكثير من مواد المعاهدات الدولية والقوانين المحلية، لعل أبرزها المواد 1 و 2 و 7 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المتعلقة بحظر ممارسة التمييز على أساس الدين واللون والعقيدة. كما يخالف هذا السلوك مضمون المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي تحظر على الدول حرمان الأقليات من حق التمتع بثقافتها. كما ينتهك روحية المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تحظر أي ممارسات تدعو للكراهية القومية أو العنصرية او الدينية باعتبارها تشكل تحريضا على التمييز العنصري والعنف.

 

5- ظروف الاحتجاز: تشكل ظروف الاحتجاز السيئة ضربا من ضروب المعاملة القاسية أو العقوبة اللاإنسانية والمهينة. وقد استخدمت السلطات الحكومية والمجموعات المسلحة التابعة لها أساليب مختلفة في هذا السياق، أهمها:

أ) التجويع والحرمان من الماء والحرمان من استخدام دورات المياه: حسب إفادات المعتقلين، فانهم تعرضوا للحرمان من الطعام والماء لفترات طويلة، خصوصا في الأيام الأولى للاعتقال، فبعض المعتقلين حصلوا على أول وجبة لهم في السجن في اليوم الثالث لاعتقالهم. يقول (م ب): “….وفي مساء يوم الأحد، أي بعد أكثر من ستين ساعة على اعتقالي، تناولت الطعام لأول مرة داخل السجن وكانت عبارة عن قطعة خبز وقليل من المربى”. وحاول كثير من المعتقلين تجنب زيارة دورات المياه من أجل قضاء الحاجة ما أمكن، بسبب المعاملة السيئة والعنف الممارس ضدهم أثناء توجههم الى دورات المياه. وكان المحققون والضباط يسمحون فقط باستخدام صنابير المياه الموجودة في دورات المياه كمصدر لمياه الشرب، وهي على الأغلب أماكن قذرة تنتشر فيها الأمراض.

ب – الاحتجاز في مراكز اعتقال غير صحية: وصف المعتقلون المفرج عنهم مراكز الاعتقال بأنها أماكن تتكاثر فيها الحشرات كالقمل والفسفس، وأنها بيئة تنتشر فيها الأمراض كالجرب والفطور. ومعظمها غرف صغيرة، تعرف بالمنفردة، لا يدخلها من الضوء إلا الجزء اليسير، ولا وجود لفتحات تهوية فيها. ولم تتوفر أي أغطية للمعتقلين في معظم الحالات، خصوصا في الأيام الأولى للاعتقال، حيث كان المعتقلون يفترشون الأرض التي لم يكسها أي شي ليناموا عليها في برد الشتاء القارس. وقد تم اعتقال بعضهم في حمامات أحد الأبنية التي تسيطر عليها ميليشيات محلية تابعة للحكومة. يصف (ي د) في شهادته مكان الاحتجاز بقوله: “… كان عبارة عن غرفة في قبو تحت الأرض، ولم تكن تحوي وسيلة للإنارة بل كان الضوء يدخلها من خلال المصباح الموجود خارج الغرفة، لم يكن يوجد إلا فتحة واحدة لدخول الهواء وكانت مغلقة في أغلب الأوقات ودرجة الرطوبة فيها عالية جداً، لدرجة نمو بعض النباتات على الجدران. كان الجو مهيئا لكافة الأمراض، بالإضافة لتواجد مختلف أنواع الحشرات من قمل وفسفس وانتشار الجرب”.

ج- الحرمان من الطبابة: أدت ظروف الاعتقال الصعبة إلى إصابة بعض المعتقلين بأمراض خطيرة كالمعتقل (ي. د.) الذي دخل الى السجن وهو مصاب بأمراض في القلب، ومنع من تلقي العلاج والأدوية إلا في الأسابيع الأخيرة من اعتقاله، وخرج من المعتقل مصابا بالتهابات في الكلى بسبب العنف والضرب والبرد الشديد وسوء أوضاع المعتقل كما يروي. وفي هذا السياق يؤكد (د. أ.) في أفادته أن أحد زملائه أصيب بحالات اختناق شديد وبشكل متكرر في غرفة الاعتقال، ولم يقدم له أي علاج طيلة فترة الاعتقال ما كان يدفع بزملائه في السجن الى الطرق بقوة على أبواب الزنازين، والمناداة على العناصر الأمنية طلبا لانقاذه من الاختناق. قانونيا فإن جميع أشكال المعاملة القاسية والحاطة بالكرامة الإنسانية تعتبر جريمة لا يمكن تبريرها وفق القانون الدولي. وهذا النوع من الممارسات محظور وفق جميع الصكوك ذات الصلة، باعتبار أن هذا الحظر هو جزء من القانون العرفي الدولي، بغض النظر عما إذا كانت الدولة التي ترتكب هذه الممارسات قد صادقت على المعاهدات التي تحظر التعذيب وغيره من أشكال المعاملة القاسية، أم لم تصادق.

6- إرغام المعتقلين على الظهور أمام كاميرا التلفزيون الحكومي: سُجلت ثلاث عشرة حالة من أصل ثماني عشرة حالة اعتقال موثقة قامت فيها السلطات السورية بممارسة العنف الجسدي الشديد على المعتقلين السريان الآشوريين من أجل تسجيل اعترافاتهم أمام كاميرا التلفزيون السوري. ويؤكد (د أ) أن ضابطان كبيران سلماه ورقة كتب فيها سلسلة اعترافات كان عليه قراءتها أمام كاميرا التلفزيون الرسمي، وتتضمن اعترافات غير حقيقية بمشاركته في المظاهرات مقابل تلقي أموال، وأنه وزملاؤه أشخاص مغرر بهم. كما طلب الى آخرين تقديم أنفسهم على أنهم نادمون على التظاهر، وأنهم شاهدوا مسلحين كانوا يشاركون في المظاهرات. إلا أن معظم هؤلاء المعتقلين إما رضخوا تحت التعذيب، أو أنهم رفضوا بشكل قطعي فكرة التصوير أمام الكاميرا. وفي هذا السياق يصف (ر ي) في إفادته ردة فعله على الإغراءات التي قدمها له أحد الضباط الكبار، حول إطلاق سراحه بشكل فوري اذا ما قبل التصوير أمام التلقزيون الحكومي بالقول: “…انتابتني نوبة هستيريا وقلت له، يا سيدي أعطني مسدسك، فنظر الي وقال باندهاش: ماذا قلت؟ فقلت له: إما أن تقتلني أنت بمسدسك وأنا مستعد لإخلاء مسؤوليتك عن قتلي من خلال توقيعي ورقة تثبت ذلك، وإما أن أقتل نفسي أنا بمسدسك، إن خروجي على شاشة التلفاز كمجرم هو إهانة كبيرة لي ولأهلي، وأنا لن أقبل بذلك حتى لو كان الثمن حياتي”. ويتابع (ر ي) حديثه حول محاولات الضباط إقناعه بالكلام قائلين له: “نريد أن تذهب الى بيتك بدل أن نقوم بتحويلك الى دمشق وهناك بصعقتين من الكهرباء سوف تصور والحذاء فوق رأسك”.  وبعد إصرار المعتقل على الرفض حاول الضابط ايجاد طريقة أخرى أكثر إقناعا ليقبل العرض: “…فقال لي الملازم: اسمع، عندي فكرة أحسن، ما رح نصورك داخل الفرع، وإنما رح ننزلك الى الشارع وكأنك مواطن عادي يلتقي به التلفزيون بالصدفة، وتتكلم من الورقة اللي رح نعطيك إياها”.  رغم ان الدستور السوري يرفع الحرية الى مرتبة القداسة في المادة 33 منه، ويكفل بوضوح تام حق المواطنين السوريين في التعبير عن آرائهم في فقرات المادة 42، ويضمن حق المشاركة في التظاهر السلمي في المادة 44، ويضمن حرية تكوين الجمعيات وفق المادة 45، فإن السلطات السورية لم تحتمل مشاركة بعض مواطنيها المدنيين في مظاهرات سلمية تطالب بالحرية في الشهر الثاني على انطلاق الاحتجاجات في البلاد، حتى اعتقلتهم وضغطت عليهم للاعتراف بأنهم خرجوا في مظاهرات فيها مسلحين، في مخالفة واضحة لأحكام دستور البلاد الآنفة الذكر، وفي مخالفة للمواد 18 و 19 و 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و المواد 18 و 19 و 21 و 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تكفل جميعا حق التجمع وحق التظاهر السلمي وحرية الرأي والتعبير.

 

 

7- إرغام المعتقلين على التوقيع على تهم لم يرتكبوها: أكد معظم المعتقلين المفرج عنهم من الذين سجلت إفاداتهم تعرضهم إلى التعذيب من أجل التوقيع على محاضر التحقيق التي دونت فيها تهم لم يرتكبوها وفق قولهم. ولم تتلى المحاضر في معظم الأحيان على المعتقل، وأرغم المعتقلون على توقيع بصمة إبهامهم على الأوراق دون معرفة محتواها، كما حدث مع (س ي): “… أحد العناصر ضربني بشدة على رأسي، وطلب من زملائه أن يقوموا بتثبيتي على الأرض بالقوة، وأنا في وضعية المنبطح على صدري، وعندها وبعد جهد جهيد أمسك أحدهم إبهامي ووقع بصمة إصبعي على تلك الأوراق قسرا، ودون ان أعلم ماذا كتب فيها. وبعد أن انتهى من ذلك، بصق في وجهي قائلا: لنرى الآن من سيصدق كلامك، ها قد بصمت على شهادة إعدامك بيدك”. وتعددت التهم الموجهة إلى هؤلاء بين التحريض على التظاهر، وتخريب الممتلكات العامة، والمشاركة في مظاهرات غير مرخصة، إلى التعامل مع قنوات إعلامية، والانتساب الى أحزاب غير مرخصة، والاشتراك في التنسيقيات، ودعم الإرهابيين والمسلحين وغيرها. الملفت أن أحد المعتقلين تعرض للتعذيب الشديد بعد أن عثر المحققون على أغنية في هاتفه المحمول، حيث تأسف كلمات الأغنية على القتل الذي تمارسه السلطات ضد المواطنين. فكانت هذه تهمة كافية لتعريض الشاب (أ م) للتعذيب. ويؤكد الحادثة في إفادته بقوله: “… ثم قام بتشغيل أغنية يا حيف، وبدأ بضربي بكلتا العصاتين على قدماي وظهري حيث كنت ممدا على بطني، كما وضربني بالعصى على رأسي، ثم بدأ يدوس بقدميه على ظهري ورأسي، وكان يشتمني بشتائم بذيئة لأمهاتنا وأخواتنا وشرفنا”.

 

وفق المادة 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب فإن على جميع الدول أن تضمن عدم الاستشهاد بالأقوال التي يثبت أنه تم الإدلاء بها تحت التعذيب. وهذا يشمل حكما معظم حالات الاعتقال التي تمت من قبل السلطات السورية، ونعني بها الحالات موضوع التقرير والموثقة لدينا، خصوصا أن انتهاكات جسيمة في هذا السياق قد تم توثيقها منذ آذار 2011 من قبل المنظمات الحقوقية السورية والدولية، ومن قبل لجنة التحقيق الدولية المستقلة الخاصة بسوريا، حيث قضى عدد كبير من المعتقلين تحت التعذيب بغية انتزاع الاعترافات منهم.

 

 

 

 

8 – عدم تقديم المعتقلين الى المحاكمة: كان لافتا عدم إحالة معظم المعتقلين السريان الآشوريين الى القضاء، تماما كما هو حال معظم المعتقلين في سوريا. فمن أصل سبع عشرة حالة وثقتها الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان، ثلاث حالات فقط تم تقديم المعتقلين فيها الى المحاكم. أما باقي الحالات فتم اعتقال وسجن وإطلاق سراح المعتقلين فيها دون أي محاكمة ودون توجيه تهم مباشرة إليهم. قضى معظم المعتقلين الآشوريين فترة اعتقالهم في مراكز الاعتقال التابعة للأجهزة الأمنية، دون أي مذكرة قضائية أو أي أمر قضائي ودون محاكمة، في حين تم تحويل قضية السيد كبرئيل موشـي، أحد أبرز القادة السياسيين السريان الآشوريين في سوريا، على محكمة الإرهاب بدمشق مؤخرا. في هذا أيضا مخالفة واضحة لمواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وخصوصا منها المواد 7 و8 و10. كما تخالف هذه الممارسات روح ونص المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدينة والسياسية، والتي تتحدث جميعا عن ضمان حق المواطنين بالتمتع بحماية القانون واللجوء الى محاكم مستقلة ومحايدة من أجل إنصافهم. كما يعتبر ذلك مخالفة لأحكام المواد 50 و51 و53 و54 من الدستور السوري التي تضمن بلا لبس حق المواطنين في اللجوء الى القضاء على اعتبار أن القانون هو أساس الحكم في البلاد.

 

 

9 – ممارسة الضغط على المعتقلين بعد الإفراج عنهم: لم تتوقف السلطات الحكومية السورية عن مطاردة الناشطين السريان الآشوريين حتى بعد الإفراج عنهم. حيث تعرض هؤلاء للاستدعاءات والاستجوابات المتكررة من قبل الأجهزة الأمنية، كما تم مصادرة الممتلكات الشخصية للبعض منهم، وجرى التهويل على آخرين لتهجيرهم من سوريا، في حين حورب البعض منهم بلقمة عيشه حيث تم فصلهم مؤقتا من وظائفهم كما يروي (م. ب)، وهو المعيل الوحيد لأسرته، أثناء لقائه مع الموظف المسؤول: “… فقال لي: إن تقريرا أمنيا قد رفع الى المديرية يتضمن أنك قد خرجت في المظاهرات واعتقلت، كما أن التقرير طالب بفصلك من الوظيفة. فسألته ما الذي يجب أن أفعله …. إلا أن الموضوع لم يكن بتلك السهولة، فقد كان ذلك الطلب يدور بشكل تعجيزي على قيادة الشرطة ثم يرسل إلى فرع الأمن الجنائي ثم إلى فرع الأمن السياسي ثم الى المديرية …، ثم يعاد بالعكس مجددا، وبقيت على هذه الحال لمدة ستة أشهر، لم أتقاضى خلالها أي راتب شهري”. إن الحجز على الأملاك الشخصية لبعض المعتقلين، وطردهم البعض الآخر من وظائفهم، وتهديد الطلبة الجامعيين منهم بعدم السماح لهم بتقديم الامتحانات، وتهديد المواطنين المعتقلين بشكل دائم بلقمة عيشهم، يؤسس لحالة من التفكك الأسري لعائلات المعتقلين التي لا تلقى دعما من المحيط الاجتماعي بسبب الخوف من ردات الفعل الأمنية. كما تشكل هذه الممارسات خرقا كبيرا لمواد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية خصوصا في الفترات الأول من المواد 1 و10 و11 منه.

 

 

رابعا: الاستنتاجات :

 

1: إن اعتقال النشطاء المدنيين بشكل تعسفي دون إجراءات قضائية ودون محاكمة، واحتجازهم في مراكز غير صحية وغير لائقة، وتعريضهم للتعذيب والمعاملة القاسية والمهينة والحاطة بالكرامة، يشكل خرقا واضحا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيرها من أساسيات القانون الدولي لحقوق الإنسان. ولأن هذه الخروقات تنفذ بشكل ممنهج من قبل السلطات السورية ضد مواطنيها المحتجزين لديها، وترد في سياق هجوم واسع النطاق ضد المدنيين خلال النزاع الداخلي المسلح الدائر على أراضي الجمهورية العربية السورية، فإن هذه الممارسات تعتبر خرقا واضحا لاتفاقيات جنيف الأربعة، خصوصا مادتها الثالثة المشتركة، وهي بالتالي ترقى لأن تعتبر جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وفقا للقانون الدولي الإنساني.

 

2: إن ظاهرة اعتقال السلطات السورية لما يقارب الثلاثين قياديا وناشطا سريانيا آشوريا في سوريا تكشف بما لا يدع مجالا للشك أن النظام السوري يعاقب المسيحيين المعارضين له ويعرضهم إلى الاعتقال والمعاملة القاسية والمهينة، وهذا يكذب الاداعات التي تطلقها هذه السلطات حول حمايتها للأقليات، لأن النظام السوري يحمي من المسيحيين فقط اولئك الذين يقفون الى جانبه، أما من يعترض على سياساته فمصيره الاعتقال والتعذيب أو التهجير أو القتل، وهذا ما حدث مع عدد من الناشطين المسيحيين في سوريا منذ آذار العام 2011، كما وثقت المنظمات المعنية، المحلية منها والدولية.

3: تظهر هذه الاحصائية أن السياسة التي تتبعها الحكومة السورية في اعتقال قادة الحراك المدني في سوريا تؤدي الى إفراغ الساحة السياسية بشكل ممنهج وتدريجي من النشطاء السلميين، والمسيحيين منهم على وجه الخصوص، ربما لتعزيز مزاعم وادعاءات السلطات السورية بأن الحراك الشعبي في مدنها هو حراك إسلامي ديني متطرف. وما يعزز هذا الاستنتاج لدينا هو قيام السلطات السورية بالمقابل بعض الطرف عن القوى المسلحة الإسلامية المتطرفة لتنمو وتتكاثر، ما يبرر للحكومة السورية استبعادها الحل السياسي لإنهاء الازمة من جهة، ويشكل تغطية قانونية تبرر تبنيها الخيار العسكري في مواجهة المطالب الشعبية من جهة أخرى.

4: ظهر جليا خلال المقابلات مع المعتقلين، وفي أكثر من مدينة ومركز اعتقال، استخدام السلطات السورية للورقة الدينية للضغط على المعتقلين السريان الآشوريين من جهة، وللتمييز ضدهم من جهة أخرى، ما يشكل نمطا خطيرا يجب التوقف عنده، وما يمكن تفسيره على أنه سياسة ممنهجة من قبل السلطات السورية خصوصا وأنه تكرر مرات عدة، وفي محافظات مختلفة، وفي أزمنة مختلفة.

5: ينتمي معظم المعتقلين السريان الآشوريين الى النخبة المثقفة، فيهم أطباء، ومحامون، ومهندسون، ومدرسون، وطلاب جامعيون. وهم أعضاء في أحزاب سياسية ومؤسسات مدنية، ولاعلاقة لهم منطقيا بالحراك المسلح والقوى العسكرية، ما ينفي تهمة دعم الإرهاب التي حاولت السلطات السورية إلصاقها بهم، بعضهم اعتقل ثلاث مرات. وجاء في مقدمة هذه المؤسسات المنظمة الآثورية الديمقراطية ب 21 معتقلا (بينهم أعضاء في تنسيقيات الشباب السريان الآشوريين والشبكة الآشورية لحقوق الإنسان)، حزب الاتحاد السرياني بأربعة معتقلين، وحزب الشعب الديمقراطي بثلاثة معتقلين، ومستقلين اثنين بينهم فتاة.

6: شكلت الضغوط التي مارستها السلطات السورية على المعتقلين السريان الآشوريين الذين تم الافراج عنهم دافعا لتخفي أوتهجير عدد من قياديي وعناصر المؤسسات الشبيابية والمدنية، بسبب الاستدعاء المتكرر لبعضهم من قبل السلطات السورية، ومخاوف آخرين من احتمال إعادة اعتقالهم مجددا، وبسبب محاربة البعض الآخر بلقمة عيشهم. كما تسببت هذه الممارسات والضغوط بانكفاء شريحة واسعة من أبناء هذا المكون وتوقفها عن الانخراط في الشأن العام بسبب المخاوف والتهديدات الأمنية، وبالتالي لم تعد هذه الشريحة مؤثرة في المشهد السياسي الذي بدأت تتصدره، إلى جانب النظام، ميليشيات وقوى محلية أخرى ذات توجهات غير ديمقراطية.

خامسا: التوصيات:

الى الحكومة السورية:

1- إطلاق سراح جميع المعتقلين السوريين بشكل فوري، ومنهم المعتقلون السريان الآشوريون، وهم بمعظمهم قادة رأي ونشطاء سياسيون، خصوصا أن هؤلاء لم يرتكبوا أي جرم أو ممارسة تخالف القانون، وفي مقدمة هؤلاء المعتقلين مسؤول المكتب السياسي في المنظمة الآثورية الديمقراطية السيد كبرئيل موشي، الذي أحيل على محكمة الإرهاب، والمعتقل منذ 19 ديسمبر العام 2013. علما أن أيا من المعتقلين السريان الآشوريين لم يستفد من العفو الرئاسي الذي صدر في مطلع حزيران العام 2014.

2- التوقف الفوري عن إخضاع المعتقلين الى العنف والتعذيب والمعاملة القاسية، وفسح المجال أمام المنظمات الدولية المعنية للاطلاع على واقع السجون والمعتقلين في مراكز الاحتجاز الحكومية.

3- الكف عن استخدام الورقة الطائفية التي من شأنها تفكيك بنية المجتمع السوري، وتأليب مكوناته ضد بعضها البعض ما يهدد استقرار البلاد ووحدة مكوناتها المجتمعية.

4- إعادة المعتقلين الذين تم فصلهم من وظائفهم الى أعمالهم بأسرع وقت، والكف عن معاقبة أسر المعتقلين بالعامل المادي ومحاربتهم بلقمة العيش.

5- كشف مصير قدامى المعتقلين السريان الآشورين في سجون السلطات السورية، وفي مقدمتهم ملكي يوسف كورية الذي مضى على اعتقاله ستة وثلاثون عاما، وفهمي زيا نانو الذي مضى على اعتقاله في سجون السلطات السورية أكثر من اثنين وعشرين عاما.

الى مجلس حقوق الإنسان:

– دعوة مجلس الأمن الدولي إلى إصدار قرار ملزم لجميع أطراف النزاع في سوريا يقضي بإرسال بعثة أممية خاصة لتحري أوضاع السجون وكشف الانتهاكات المرتكبة في مراكز الاحتجاز الحكومية، وتلك التابعة لأطراف النزاع الأخرى، في أراضي الجمهورية العربية السورية.

– دعوة مجلس الأمن الى إحالة ملف الجرائم المرتكبة في سوريا إلى محكمة الجنايات الدولية، ومحاسبة المرتكبين فورا للحد من انتشار ثقافة الإفلات من العقاب، ولوقف للانتهاكات المرتكبة في سوريا، والبحث عن وسائل أخرى فاعلة في حال تعذرت هذه الإحالة عبر مجلس الامن.

الى مجلس الأمن الدولي:

  • الاطلاع بالدور الأساسي المنوط بمجلس الأمن، والمتمثل بحماية السلم والأمن الدوليين خصوصا لما تمثله الأزمة السورية من تهديد مباشر للسلم والأمن الإقليمي من جهة، والتداعيات المحتملة لهذه الأزمة على السلم والأمن الدوليين من جهة ثانية.
  • بذل المزيد من الجهود الجادة من أجل وقف الحرب الدائرة على أراضي الجمهورية العربية السورية منذ أكثر من ثلاثة أعوام، عبر الضغط الجدي على جميع أطراف الصراع، لدفعها الى القبول بحل سياسي شامل ينهي معاناة الشعب السوري، ويضع حدا للأوضاع المتفاقمة في البلاد.
  • إحالة ملف الانتهاكات المرتكبة في سوريا إلى محكمة الجنايات الدولية، باعتبارها تشكل جرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب وفق توصيف القانون الدولي، من أجل وقف الانتهاكات ومحاسبة المرتكبين بشكل فوري.
  • إصدار قرار دولي يلزم أطراف النزاع في سوريا، وفي مقدمها الحكومة السورية، بوقف جميع الممارسات والانتهاكات والارتكابات ضد الأقليات الدينية واللغوية والقومية في سوريا والتي من شأن استمرارها أن يؤدي الى زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، وإفراغ المنطقة من مكوناتها الأصلية وفي مقدمتها الأقلية الآشورية المسيحية. جـنيـف   – 18 ســــــبتمبر 2014
  • الشـبكة الآشــورية لحقوق الإنسان

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s